الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
4
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
ثمّ شتّان بينه عليه السّلام وبين صدّيقهم وفاروقهم ، يشير المغيرة عليه نصحا فلا يقبله منه ، لكونه نصحا دنيويا لا دينيا ، ويرسلان إلى المغيرة يطلبان منه حيلة لاستيلائهما على الأمر ، فيشير عليهما باشتراك العباس . ولو لم يكن في حقيقته عليه السّلام وبطلان أمر الرجلين إلّا هذا الموضع ، لكفى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . ومن محاجات ابن عبّاس مع المغيرة وجمع آخر في مجلس معاوية ، ما رواه المدائني : أنّ المغيرة قال لابن عبّاس : أما واللّه لقد أشرب على عليّ عليه السّلام بالنصح فآثر رأيه ومضى على غلوائه ، فكانت العاقبة عليه لا له ، وإنّي لأحسب أنّ خلفه يقتدون منهجه . فقال له بن عبّاس : كان أمير المؤمنين عليه السّلام واللّه أعلم بوجوه الرأي ومعاقد الحزم وتصاريف الأمور ، من أن يقبل مشاورتك في ما نهى اللّه عنه وعنّف عليه ، قال سبحانه : لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ باِللهِّ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّهَ وَرسَوُلهَُ . . . ( 1 ) ، ولقد وقفك عليه السّلام على ذكر متين وآية متلوة في قوله سبحانه : . . . وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ( 2 ) ، وهل يسوغ له أن يحكم في دماء المسلمين وفيء المؤمنين من ليس بمأمون عنده ولا موثق به في نفسه هيهات هيهات ، هو أعلم بفرض اللّه وسنّة رسوله ، أن يبطن خلاف ما يظهر إلّا للتّقيّة ولات حين تقيّة ، مع وضوح الحق وثبوت الجنان وكثرة الأنصار يمضي كالسيف المصلت ( 3 ) .
--> ( 1 ) المجادلة : 22 . ( 2 ) الكهف : 51 . ( 3 ) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 6 : 298 - 303 .